فصل: تفسير الآيات (50- 52):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآية رقم (48):

{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)}
{قِيلَ يانوح اهبط} أي انزل من الفُلك وقرئ بضم الباء {بِسَلامٍ} ملتبساً بسلامة من المكاره كائنةٍ {مِنَّا} أو بسلام وتحيةٍ منا عليك كما قال: سلامٌ على نوح في العالمين {وبركات عَلَيْكَ} أي خيراتٍ ناميةٍ في نسلك وما يقوم به معاشُك ومعاشُهم من أنواع الأرزاق، وقرئ {بركةٍ}، وهذا إعلامٌ وبشارةٌ من الله تعالى بقَبول توبتِه وخلاصِه من الخسران بفيضان أنواعِ الخيراتِ عليه في كل ما يأتي وما يذر {وعلى أُمَمٍ} ناشئةٍ {مّمَّن مَّعَكَ} إلى يوم القيامة متشبعةٍ منهم، فمن ابتدائيةٌ، والمرادُ الأممُ المؤمنةُ المتناسلةُ ممن معه إلى يوم القيامة {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} أي ومنهم على أنه خبرٌ حذف لِدلالة ما سبق عليه، فإن إيرادَ الأممِ المبارَكِ عليهم المتشعبةِ منهم نكرةٌ يدل على أن بعضَ مَنْ يتشعّب منهم ليسوا على صفتهم يعني ليس جميعُ من تشعّب منهم مسلماً ومباركاً عليه بل منهم أممٌ ممتّعون في الدنيا معذّبون في الآخرة، وعلى هذا لا يكون الكائنون مع نوح عليه السلام مسلماً ومبارَكاً عليهم صريحاً وإنما يفهم ذلك من كونهم مع نوح عليه الصلاة والسلام ومن كون ذريّاتِهم كذلك بدلالة النصِّ، ويجوز أن تكون {من} بيانيةً أي وعلى أمم هم الذين معك وإنما سُمّوا أمماً لأنهم أممٌ متحزِّبةٌ وجماعاتٌ متفرِّقةٌ، أو لأن جميعَ الأممِ إنما تشعّبت منهم فحينئذ يكون المرادُ بالأمم المشارِ إليهم في قوله تعالى: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} بعضَ الأممِ المتشعبةِ منهم وهي الأممُ الكافرةُ المتناسلةُ منهم إلى يوم القيامة، ويبقى أمرُ الأممِ المؤمنةِ الناشئةِ منهم مبهماً غيرَ متعرّضٍ له ولا مدلولٍ عليه، ومع ذلك ففي دِلالة المذكورِ على خبره المحذوفِ خفاءٌ لأن {من} المذكورةَ بيانيةٌ والمحذوفةَ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ فتأمل {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ} إما في الأخرة أو في الدنيا أيضاً {مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. عن محمد بن كعب القرظي دخل في ذلك السلامِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذابِ كلُّ كافر، وعن ابن زيد هبطوا والله عنهم راضٍ ثم أَخرج منهم نسلاً منهم من رَحِم ومنهم من عذّب. وقيل: المرادُ بالأمم الممتَّعةِ قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ عليهم السلام وبالعذاب ما نزل بهم.

.تفسير الآية رقم (49):

{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)}
{تِلكَ} إشارةٌ إلى ما قُصّ من قصة نوحٍ عليه الصلاة والسلام إما لكونها بتقضّيها في حكم البعيدِ أو للدِلالة على بُعد منزلِتها، وهي مبتدأٌ خبرُه {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ} أي من جنسها، أي ليست من قبيل سائرِ الأنباءِ بل هي نسيجُ وحدِها منفردةٌ عما عداها أو بعضِها {نُوحِيهَا إِلَيكَ} خبرٌ ثانٍ والضمير لها أي مُوحاةٌ إليك أو هو الخبرُ، ومن أنباء متعلِّقٌ به، فالتعبير بصيغة المضارع لاستحضار الصورة أو حال من أنباء الغيب أي مُوحاةً إليك {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ} خبرٌ آخرُ أي مجهولةٌ عندك وعند قومِك {مِنْ قَبْلِ هَذَا} أي من قبل إيحائِنا إليك وإخبارِك بها أو من قبل هذا العلمِ الذي كسبْتَه بالوحي أو من قبلِ هذا الوقتِ أو حالٌ من الهاء في نُوحيها، أو الكافِ في إليك، أي جاهلاً أنت وقومُك بها، وفي ذكر جهلِهم تنبيهٌ على أنه عليه الصلاة والسلام لم يتعلّمْه، إذا لم يخالِطْ غيرَهم وأنهم مع كثرتهم لم يعلموه فكيف بواحد منهم {فَاصْبِر} متفرِّعٌ على الإيحاء أو العلمِ المستفادِ منه المدلولِ عليه بقوله: {ما كنت تعلمها أنت ولا قومُك من قبل هذا} أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمْتَها بذلك فاصبِرْ على مشاقّ تبليغِ الرسالةِ وأذيَّةِ قومِك كما صبر نوحٌ على ما سمعته من أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولةِ، وهذا ناظرٌ إلى ما سبق من قوله تعالى: {فلعلك تاركٌ بعضَ مايوحى إليك} إلخ {إن العاقبة} بالظفر في الدنيا وبالفوز في الآخرة {للمتقين} كما شاهدْتَه في نوحٍ عليه الصلاة والسلام وقومِه ولك فيه أسوةٌ حسنةٌ فهي تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليلٌ للأمر بالصبر فإن كونَ العاقبةِ الحميدةِ للمتقين وهو في أقصى درجاتِ التقوى والمؤمنون كلُّهم مّتقون مما يسليه عليه الصلاة والسلام ويهوِّن عليه الخطوبَ ويُذهب عنه ما عسى أن يعتريَه من ضيق صدرِه، وهذا على تقدير أن يرادَ بالتقوى الدرجةُ الأولى منه أعني التوقّي من العذاب المخلدِ بالتبرؤ من الشرك، وعليه قوله تعالى: {وألزمَهم كلمةَ التقوى} ويجوز أن يراد الدرجةُ الثالثةُ وهو أن يتنزّه عما يشغل سِرَّه عن الحق ويتبتَّلَ إليه بشراشِره وهو التقوى الحقيقيُّ المطلوبُ بقوله تعالى: {اتقوا الله حقَّ تقاتِه} فإن التقوى بهذا المعنى منطوٍ على الصبر المذكورِ فكأنه قيل: فاصبر فإن العاقبةَ للصابرين.

.تفسير الآيات (50- 52):

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)}
{وإلى عاد} متعلقٌ بمضمر معطوفٌ على قوله تعالى: {أرسلنا} في قصة نوحٍ وهو الناصبُ لقوله تعالى: {أَخَاهُم} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسَب كقولهم: يا أخا العرب، وتقديمُ المجرورِ على المنصوب هاهنا للحِذارِ عن الإضمار قبل الذكر، وقيل: متعلّقٌ بالفعل المذكورِ فيما سبق وأخاهم معطوفٌ على نوحاً وقد مر في سورة الأعراف وقوله تعالى: {هُوداً} عطفُ بيانٍ لأخاهم وكان عليه الصلاة والسلام من جملتهم فإن هودُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ رباحِ بن الخلود بن العوص بن إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ عليه الصلاة والسلام، وقيل: هودُ بنُ شالح بنِ أرفخشذَ بنِ سامِ بن نوحٍ بنِ عمّ أبي عاد، وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لكلامه وأعرفُ بحاله وأرغبُ في اقتفائه {قَالَ} لما كان ذكرُ إرسالِه عليه الصلاة والسلام إليهم مظنةً للسؤال عما قال لهم ودعاهم إليه أُجيب عنه بطريق الاستئنافِ فقيل: {يَا قَوْمِ اعْبدُوا الله} أي وحده كما ينبىء عنه قوله تعالى: {مَا لَكُم مِّنْ إله غَيرُهُ} فإنه استئنافٌ يجري مَجرى البيان للعبادة المأمورِ بها، والتعليلُ للأمر بها كأنه قيل: خُصّوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً، إذ ليس لكم من إله سواه، وغيرُه بالرفع صفةٌ لإله باعتبار محلِّه وقرئ بالجر حملاً له على لفظه {إِن أَنْتُم} ما أنتم باتخاذكم الأصنامَ شركاءَ له أو بقولكم: إن الله أمرنا بعبادتها {إلاَّ مُفْتَرُون} عليه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً {يَا قَومِ لاَ أَسْأَلُكُم عَلَيهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} خاطبَ به كلُّ نبيَ قومَه إزاحةً لما عساهم يتوهّمونه وإمحاضاً للنصيحة فإنها ما دامت مشوبةً بالمطامع بمعزل عن التأثير، وإيرادُ الموصولِ للتفخيم، وجعلُ الصلةِ فعلَ الفطرةِ لكونه أقدامَ النعمِ الفائضةِ من جناب الله تعالى المستوجبةِ للشكر الذي لا يتأتى إلا بالجرَيان على موجب أمرِه الغالبِ مُعرِضاً عن المطالب الدنيوية التي من جملتها الأجرُ {أفَلاَ تَعْقِلُون} أي أتغفُلون عن هذه القضيةِ أو ألا تتفكرون فيها فلا تعقِلونها أو أتجهلون كلَّ شيءٍ فلا تعقلون شيئاً أصلاً فإن هذا مما لا ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء.
{ويَا قَومِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم} اطلُبوا مغفرتَه لما سلف منكم من الذنوب بالإيمان والطاعة {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي توسّلوا إليه بالتوبة، وأيضاً التبرُّؤُ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله تعالى والرغبةِ فيما عنده {يُرْسِلِِ السَّمَاءَ} أي المطرَ {عَلَيكُمْ مِّدْرَاراً} أي كثيرَ الدّرور {ويزدْكُمْ قُوَّةً} مضافةً ومنضمّةً {إِلَى قُوَّتِكُم} أي يضاعفْها لكم، وإنما رغّبهم بكثرة المطرِ لأنهم كانوا أصحابَ زروعٍ وعمارات، وقيل: حبس الله تعالى عنهم القطرَ وأعقم أرحامَ نسائِهم ثلاث سنين فوعدهم عليه الصلاة والسلام كثرةَ الأمطارِ وتضاعُفَ القوة بالتناسل، على الإيمان والتوبة {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ} أي لا تُعرضوا عما دعوتُكم إليه {مُجْرِمِينَ} مصِرِّين على ما كنتم عليه من الإجرام.

.تفسير الآيات (53- 54):

{قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)}
{قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} أي بحجة تدل على صحة دعواك وإنما قالوه لفَرْط عنادِهم وعدمِ اعتدادِهم بما جاءهم من البينات الفائتةِ للحصر.
{وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا} أي بتاركي عبادتِها {عَنْ قَوْلِكَ} أي صادرين عنه أي صادراً تركُنا عن ذلك بإسناد حالِ الوصفِ إلى الموصوف ومعناه التعليلُ على أبلغ وجهٍ لِدلالته على كونه علةً فاعليةً، ولا يفيده الباءُ واللام وهذا كقولهم المنقولِ عنهم في سورة الأعراف {أجئتَنا لنعبُدَ الله وحدَه ونذرَ ما كان يعبُد آباؤُنا} {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين} أي بمصدقين في شيء مما تأتي وتذر فيندرج تحته ما دعاهم إليه من التوحيد وتركِ عبادةِ الآلهةِ، وفيه من الدلالة على شدة الشكيمة وتجاوزِ الحدِّ في العتو ما لا يخفى {إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ} أي ما نقول إلا قولَنا اعتراك أي أصابك {بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} بجنون لِسبِّك إياها وصدِّك عن عبادتها وحطِّك لها عن رتبة الألوهيةِ والمعبوديةِ بما مر من قولِك: {ما لكم من إله غيرُه إن أنتم إلا مفترون}، والتنكيرُ في سوءٍ للتقليل كأنهم لم يبالغوا في السوء كما ينبىء عنه نسبةُ ذلك إلى بعض آلهتِهم دون كلِّها، والجملةُ مقولُ القولِ وإلا لغوٌ لأن الاستثناءَ مفرَّغٌ، وهذا الكلامُ مقرِّرٌ لما مر من قولهم: {وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} فإن اعتقادَهم بكونه عليه الصلاة والسلام كما قالوا وحاشاه عن ذلك يوجب عدمَ الاعتدادِ بقوله وعدِّه من قبيل الخُرافاتِ فضلاً عن التصديق والعملِ بمقتضاه، يعنون إنا لا نعُدّ كلاَمك إلا من قبيل ما لا يحتمل الصِّدقَ والكذِبَ من الهذَيانات الصادرةِ عن المجانين فكيف نصدِّقه ونؤمن به ونعمل بموجبه، ولقد سلكوا في طريقة المخالفةِ والعناد إلى سبيل الترقّي من الأدنى إلى الأعلى حيث أَخبَروا أولاً عن عدم مجيئِه بالبينة مع احتمال كونِ ما جاء به عليه الصلاة والسلام حجةً في نفسه وإن لم تكن واضحةَ الدِلالة على المراد، وثانياً عن ترك الامتثالِ بقوله عليه الصلاة والسلام بقولهم: {وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك} مع إمكان تحققِ ذلك بتصديقهم له عليه الصلاة والسلام في كلامه ثم نفَوا تصديقَهم له عليه الصلاة والسلام بقولهم: {وما نحن لك بمؤمنين} مع كون كلامِه عليه الصلاة والسلام مما يقبل التصديقَ ثم نفَوْا عنه تلك المرتبةَ أيضاً حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنى يؤفكون {قَالَ إِنِّي أَُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.

.تفسير الآيات (55- 56):

{مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)}
{مِن دُونِهِ} أي من إشراككم من دون الله أي من غير أن ينزِّل به سلطاناً كما قال في سورة الأعراف: {أتجادِلونني في أسماءٍ سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما نزّل الله بها من سلطان} أو مما تشركونه من آلهة غيرِ الله، أجاب به عن مقالتهم الحمقاءِ المبنيةِ على اعتقاد كونِ آلهتِهم مما يضُرُّ أو ينفع وأنها بمعزل من ذلك، ولما كان ما وقع أولاً منه عليه الصلاة والسلام في حق آلهتِهم من كونها بمعزل عن الألوهية إنما وقع في ضمن الأمرِ بعبادة الله تعالى واختصاصِه بها وقد شق عليهم ذلك وعدّوه مما يورِث شيْناً حتى زعَموا أنها تصيبُه عليه الصلاة والسلام بسوء مجازاةٍ لصنيعه معها صرّح عليه الصلاة والسلام بالحق وصدَع به حيث أُخبر ببراءته القديمةِ عنها بالجملة الاسميةِ المصدّرةِ بإنّ وأَشهد الله على ذلك وأمرهم بأن يسمعوا ذلك ويشهدوا به استهانةً بهم ثم أمرهم بالاجتماع والاحتشادِ مع آلهتهم جميعاً دون بعضٍ منها حسبما يُشعر به قولُهم: {بعضُ آلهتنا} والتعاونِ في إيصال الكيدِ إليه عليه الصلاة والسلام ونهاهم عن الإنظار والإمهالِ في ذلك فقال: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظرون} أي إن صح ما لو حتم به من كون آلهتِكم مما يقدِر على إضرار مَنْ ينال منها ويصُدّ عن عبادتها ولو بطريق ضِمنيَ فإني بريءٌ منها فكونوا أنتم معها جميعاً وباشروا كيدي ثم لا تُمهلوني ولا تسامحوني في ذلك، فالفاءُ لتفريع الأمرِ على زعمهم في قدرة آلهتِهم على ما قالوا وعلى البراءة كليهما، وهذا من أعظم المعجزاتِ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان رجلاً مفْرَداً بين الجمِّ الغفير والجمعِ الكثير من عُتاة عادٍ الغلاظِ الشِّدادِ، وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقّرهم وآلهتَهم وهيَّجهم على مباشرة مبادئ المُضارّة وحثّهم على التصدِّي لأسباب المُعازّة والمعارّة فلم يقدروا على مباشرة شيءٍ مما كلفوه وظهر عجزُهم عن ذلك ظهوراً بيناً كيف لا وقد التجأ إلى ركن منيعٍ رفيعٍ واعتصم بحبل متينٍ حيث قال: {إنِّي تَوَكَّلْتُ على الله ربِّي ورَبِّكُم} يعني أنكم وإن بذلتم في مُضارّتي مجهودَكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكلٌ على الله تعالى، وإنما جيء بلفظ الماضي لكونه أدلَّ على الإنشاء المناسبِ للمقام، وواثقٌ بكلاءتي وحفظي عن غوائلكم وهو مالكي ومالكُكم لا يصدُر عنكم شيءٌ ولا يصيبني أمرٌ إلا بإرادته ومشيئتِه ثم برهن عليه بقوله: {مَا مِن دَابَّةٍ إلاَّ هُو آخِذٌ بِناصِيتِهَا} أي إلا هو مالكٌ لها قادرٌ عليها يُصرِّفها كيف يشاء غيرَ مستعْصيةٍ عليه فإن الأخذَ بالناصية تمثيلٌ لذلك {إنَّ ربِّي عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تعليلٌ لما يدل عليه التوكلُ من عدم قدرتِهم على إضراره أي هو على الحقّ والعدلِ فلا يكاد يسلِّطكم عليّ إذ لا يَضيعُ عنده معتصِمٌ ولا يفتاتُ عليه ظالمٌ. والاقتصارُ على إضافة الربِّ إلى نفسه إما بطريق الاكتفاءِ لظهور المرادِ وإما لأن فائدةَ كونِه تعالى مالكاً لهم أيضاً راجعةٌ إليه عليه الصلاة والسلام.

.تفسير الآيات (57- 59):

{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)}
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تتولَّوا بحذف إحدى التاءين أي أن تستمرّوا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} أي لم أعاتَبْ على تفريط في الإبلاغ وكنتم محجوجين بأن بلّغتكم الحقَّ فأبيتم إلا التكذيبَ والجحود {وَيَسْتَخْلِف رَبِّي قَوماً غَيرَكُم} استئنافٌ بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف في ديارهم وأموالِهم قوماً آخرين، أو عطفٌ على الجواب بالفاء، ويؤيده قراءةُ ابنِ مسعود رضي الله عنه بالجزْم عطفاً على الموضع، كأنه قيل: فإن تولّوا يعذُرْني ويُهلكْكم ويستخلفْ مكانكم آخرين، وفي اقتصار إضافةِ الربِّ عليه عليه السلام رمزٌ إلى اللطف به والتدميرِ للمخاطبين {وَلاَ تَضُرُّونَهُ} بتولّيكم {شَيئاً} من الضرر لاستحالة ذلك عليه، ومن جَزَمَ {وَيَسْتخْلفْ} أسقطت منه النون {إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ} أي رقيبٌ مهيمنٌ فلا تخفى عليه أعمالُكم فيجازيكم بحسبها أو حافظٌ مستولٍ على كل شيء فكيف يضُرّه شيءٌ وهو الحافظُ للكل {وَلَمَّا جَاءَ أَمرُنَا} أي نزل عذابُنا، وفي التعبير عنه بالأمر مضافاً إلى ضميره جل جلاله وعن نزوله بالمجيء ما لا يخفى من التفخيم والتهويلِ أو ورد أمرُنا بالعذاب {نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} وكانوا أربعةَ آلافٍ {بِرَحْمَةٍ} عظيمةٍ كائنةٍ لهم {مِنَّا} وهي الإيمانُ الذي أنعمنا به عليهم بالتوفيق له والهدايةِ إليه {وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي كانت تلك التنجيةُ تنجيةً من عذاب غليظ وهي السَّمومُ التي كانت تدخل أنوفَ الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرْباً إرْباً، وقيل: أريد بالثانية التنجيةُ من عذاب الآخرةِ ولا عذابَ أغلظُ وأشدُّ، وهذه التنجيةُ وإن لم تكن مقيدةً بمجيء الأمرِ لكن جيء بها تكملةً للنعمة عليهم وتعريضاً بأن المهلَكين كما عُذّبوا في الدنيا بالسَّموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ {وَتِلك عَادٌ} أُنّث اسمُ الإشارةِ باعتبار القبيلةِ أو لأن الإشارةَ إلى قبورهم وآثارهِم {جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم} كفروا بها بعد ما استيقنوها {وَعَصَوْا رُسُلَهُ} جمعَ الرسلَ مع أنه لم يرسِلْ إليهم غيرَ هودٍ عليه الصلاة والسلام تفظيعاً لحالهم وإظهاراً لكمال كفرِهم وعنادِهم ببيان أن عصيانَهم له عليه الصلاة والسلام عصيانٌ لجميع الرسلِ السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتِهم على التوحيد {لا نفرِّق بين أحد من رسله} فيجوز أن يراد بالآت ما أتى به هودٌ وغيرُه من الأنبياء عليهم السلام، وفيه زيادةُ ملاءمةٍ لما تقدم من جميع الآياتِ وما تأخر من قوله: {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} من كبرائهم ورؤسائِهم الدعاةِ إلى الضلال وإلى تكذيب الرسلِ فكأنه قيل: عصَوا كلَّ رسولٍ واتبعوا أمرَ كلِّ جبارٍ، وهذا الوصفُ ليس كما سبق من جحود الآياتِ وعصيانِ الرسلِ في الشمول لكل فردٍ فردٌ منهم فإن الاتباعَ للأمر من أوصاف الأسافلِ دون الرؤساءِ، وعنيدٌ فعيلٌ من عنَد عِنْداً وعنَداً إذا طغى والمعنى عصَوا مَنْ دعاهم إلى الهدى وأطاعوا من حداهم إلى الردى.